وتقرّ عين صاحبه فلا يحزن. ونحن سنعمد في هذا المقام إلى تسليط بعض الأضواء على جانب واحد من فوائد المواظبة على الصلاة، وذلك بالتركيز على ما فيها من حركات وأفعال جسدية، ومناقشة أركانها وواجباتها الحركية التي يلتزمها المسلم وفـق ما جاء من تعليمات وردتْ في الكتاب والسنّة.
لا شك أنه ليس لأحد أن ينكر ما لممارسة الرياضة البدنية، من أثر فاعل وفوائد ثابتة، لاقت في الماضي والحاضر قبولاً وإجماعاً منقطع النظير، ولذلك نرى نموّ الاهتمام بها، وزيادة الدعوة إليها، والحث على ممارستها.
وللمواظبة على ممارسة الرياضة فوائد جليلة. ومن ذلك تقويتها لعظام الجسم وعضلاته المختلفة، وإكساب مفاصل الجسم مزيداً من الليونة والمرونة، وتنشيط دورة الجسم الدموية. ومن المعلوم أيضاً ما لهذه الرياضة من دور فاعل في تخفيف الوزن، عبر استهلاك الطاقة التي يخزنها الجسم في صورة دهون تتجمّع تحت الجلد وحول الأحشاء، وما لها من أثر يقي من ظهور البدانة، وتجرّع آثار السمنة الضارة.
ونرى من جهة أخرى ما لممارسة الرياضة أيضاً من آثار نفسية إيجابية، تنتج عن تحسين أداء الدورة الدموية التي تصل إلى الدماغ والجهاز العصبي، مما يساعد في تنشيط الخلايا الذهنية، وإيصال قـدْر أكبر من غاز الأكسجين إليها، وتخليصها بالمقابل من غاز ثاني أكسيد الكربون، وسواه ممّا يتراكم فيها من مواد ضارة، ومخلّفات غذائية وكيميائية، تضرّ بصحتها إن تراكمتْ ولم تخرج من الجسم.
وها نحن نرى تعاليم الإسلام التي لم تغب عنها الدعوة إلى ممارسة الرياضة، بل نراها وهي تحثّ على أدائها في نصوص كثيرة، كتلك التي أقرّت بأنّ (المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف) رواه مسلم. وها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يمارس الرياضة بنفسه، فيصارع ركانة فيصرعه ثلاث مرات، وهو الذي لم يغلبه أحد قبله (سنن الترمذي). وها هو عليه الصلاة والسلام في قصة أخرى يسابق عائشة فتسبقه مرة ويسبقها أخرى (رواه أبو داود). وهو ذاته عليه الصلاة السلام من قال: (كلّ شيء ليس فيه ذكر الله فهو لهو ولعب إلا أربع: وذكر منها تعليم الرجل السباحة) رواه النسائي ، وهو أيضاً الذي أقرّ عمل فرقة الأحباش حين أخذت تستعرض فنون اللعب بالسهام في المسجد، وأخذ يرقبهم هو وزوجته عائشة رضي الله عنها (متفق عليه)، تشجيعاً منه وموافقة على ممارسة مثل هذه الضروب من الرياضة وخفة الحركة التي اشتهرتْ عن هؤلاء القوم.
وما ذاك كلّه إلا جانب يسير من عظمة دين الإسلام، وجلال قدره، ودعوته العملية إلى إيجاد توازن مستمر بين الروح والنفس من جهة، والمادة والجسد من جهة أخرى، في أجواء متوازنة لا يطغى جانب منها على الأخر، فيغدو الإنسان بذلك في أسمى صورة، هدفتْ إلى تطبيقها توجيهات الإسلام الخالدة.
وقد فرضتْ تعاليم الإسلام أن يتوضأ المسلم قبل شروعه بأداء الصلاة، وقد ذكرتْ آية الوضوء المعروفة (سورة المائدة، آية 6) ما يجب غسله أو مسحه من أعضاء الجسم، ولا شكّ أنّ في القيام بعملية الوضوء تلك فوائد جليلة. ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر أنّ ملامسة الماء لجلد المتوضئ يعمل على تحريك الدورة الدموية، عبر انقباض أوعية الدم وتوسعها، وتقلص العضلات وانبساطها. كما يزيد تدليك أعضاء الجسم في أثناء الوضوء من تنشيط هذه الدورة الدموية، وهذا يتبعه بالضرورة زيادة كفاءة أداء القلب، مما يدفع بالمزيد من الدم الغني بالأكسجين والمحمّل بالغذاء نحو أعضاء الجسم وأنسجته الحيوية.
وتحرّك أفعال الوضوء المختلفة كثيراً من عضلات الجسم، ويبدأ ذلك منذ لحظة الشروع بالوضوء، وتحديداً عند غسل اليدين الذي يحرّك عضلاتهما بالإضافة إلى عضلات الذراع والكتف. ثم تحرّك المضمضة عضلات الوجه والفم والرقبة والعنق، وتنشّط عمليتا الاستنشاق والاستنثار حركات عضلات الوجه والرقبة، وكذلك الحال مع تنشيط عضلات الجهاز التنفسي التي تضبط عمليتي الشهيق والزفير.
أما غسل الوجه فيفيد في تنشيط عضلاته وعضلات الرقبة، ويعدّ كذلك رفع اليدين لمسح الرأس تمريناً عظيماً تشترك فيه مجموعة كبيرة من عضلات اليد والساعد والعضد والكتف، ويشبهه في ذلك غسل القدمين الذي تنشط لأدائه عضلات الفخذ والساق والقدم، فسبحان من شرع، وجلّ من أمر بذلك.
إذن فإننا نلاحظ أنّه حينما يلتزم المسلم أمر ربه وتعاليم سنّته، فيتوضأ استعداداً للصلاة، فإنه يقوم بتمرين غالب عضلات جسمه من حيث لا يدري، ولا سيما إن وافق المتوضئ السنّة فكرر الفعل ثلاثاً، ومحصّلة تحريك هذه العضلات تنشيطها ومساعدتها على القيام بمهامها ووظائفها بصورة متناسقة وانسجام فريد، ينطقان بعظمة تعاليم الدين الخالدة.
وحينما يقف المسلم أمام ربه شارعاً بأداء ما فرضه عليه من الصلاة، فإنه كذلك يقوم بممارسة الرياضة وتمرين الكثير من عضلات جسمه. ويركع المصلّي في أثناء تأدية الصلوات المفروضة سبعة عشر ركوعاً، ويسجد خلالها أربعة وثلاثين سجوداً، وتزيد تلك الحركات إن صلّى النوافل والسنن.
وتبدأ سلسلة طويلة من التمارين الرياضية المفيدة منذ بداية الشروع بالصلاة، ففي تكبيرة الإحرام تحريك لعضلات اليدين والساعدين والعضدين، ويصحبه تحريك عضلات الكتف وأعلى الظهر والرقبة.
ويعطف المصلي أثناء الركوع جذعه باتجاه الأطراف السفلى، وينشأ عن ذلك زاوية قائمة تتحرك معها عضلات البطن والحوض والرقبة والظهر، وتدعم هذه العملية نشاط عضلات الجهاز الهضمي، وتحفز أداء الجهاز التنفسي، إذ تخلص الرئة من الغازات الحبيسة فيها، وتجبرها على الخروج منها عبر إحداث عملية زفير أطول.
وتعدّ عملية الركوع والقيام منه تمريناً ممتازاً لعضلات الظهر والعمود الفقري، وهو صورة من وسائل العلاج الفيزيائي التي نراها كثيراً في عيادات الطب الطبيعي المتخصصة في علاج آلام الظهر، ومشكلات العمود الفقري.
ثم تأتي مرحلة السجود، وهو أهم محطة رياضية في رحلة الصلاة الميمونة، وهو ركن عظيم في فائدته، وجليل في روعته، إذ يُجبر جسم المصلي الساجد على اتخاذ وضع خاص يغدو فيه رأسه أخفض من جذعه، وفي ذلك طائفة من الفوائد الجمّة أثبتها العلم حديثاً.
يضغط الحجاب الحاجز على رئتي الساجد بين يدي الله، فيزيد من مرونتهما، ويقوي عضلات التنفس، ويجبرهما على إفراغ الهواء مع الزفير حتى آخر ذرة منه، فتخرج بذلك بقايا الغازات الضارة التي لا يمكنها الخروج مع هواء الزفير إلا من خلال عملية السجود. ونتيجة ذلك أن يحلّ هواء نقي جديد يدخل إلى الرئتين مشبعاً بالأكسجين مع عملية شهيق جديدة، ويصحب ذلك بالضرورة تنشيط الدورة الدموية، وما يتبعه من توزيع دم غني بغاز الأكسجين والغذاء إلى أنحاء الجسم المختلفة.
كما يحرّك السجود جميع عضلات الجسم الإرادية في أثناء اتجاه الجسم نحو الأرض واتخاذ وضع السجود والنهوض منه، إذ تتحرك عضلات الطرفين العلوي والسفلي، وعضلات القدم والظهر والرقبة، ويتحسّن بذلك أداء مفاصل الجسم، وتزيد مرونتها، وتقلّ أمراضها، فتؤدّي عملها على أحسن وجه.
وحينما يجلس المصلّي بين السجدتين، فإنّه يريح عضلات جسمه بعد جملة التمرينات الرياضية تلك، فيعود بها إلى وضعها الطبيعي، فتسترخي بعد تقلصها. وتقوي هذه الجلسة عضلات الفخذين والساقين والقدمين، وهي وسيلة فريدة تستخدم علاجاً فيزيائياً لمفاصل القدم والركبة.
وتتكرر العمليات السابقات، في انسجام فريد وتناسق بديع، فينتصب المصلي قائماً من جديد، ليركع ثانية، ويسجد ويستوي، ويعيد ذلك المسلسل المبارك حتى يجلس للتشهد الأخير، في تناغم حركي وحلقات متعاقبة من المنافع الجليلة التي يضمنها الالتزام بتعليمات الشارع الحكيم. ويتخلل ذلك فترات من الاسترخاء الذي يعقب شدّ العضلات وتقلّصها، ويعود الجسم فيها إلى وضعه الطبيعي.
ولا تتوقف عملية تمرين عضلات الجسم في أثناء أداء الصلاة، حتى تأتي المرحلة الأخيرة التي ينهي بها المصلّي رحلته النورانية تلك، فيسلّم عن يمينه وشماله، فيحرّك عضلات رقبته جيئة وذهاباً، ويمرّن في الوقت نفسه العضلات في أعلى عموده الفقري.
ومما تمتاز به ممارسة الرياضة في أثناء أداء الصلاة أنها رياضة هادئة الإيقاع، ولا ينتج عنها أية ضوضاء أو إزعاج للآخرين، فلا جلبة، ولا أزيز محركات، أو أصوات ناتجة عن أجهزة رياضية، كما هو الحال مع أنواع الرياضات الأخرى. وهذه الرياضة أيضاً متاحة للجميع دون استثناء وفي أي وقت، فهي للغني والفقير، والكبير والصغير، والسليم والعليل، والذكر والأنثى على حد سواء. أما الرياضات الأخرى فلها ضوابط وموانع قد تجعلها صعبة المنال، وهي غير متاحة في جميع الأوقات، وقد تكون مصدر إزعاج للآخرين.
ومع ما في رياضة الصلوات من منافع عظيمة وفوائد لا حصر لها، نرى أنها سهلة الأداء، وغير مرهقة، وليست تحتاج إلى مجهود عضلي كبير كغيرها من الأنشطة الرياضية. كما تمتاز بأنها رياضة آمنة لا خطورة فيها، ولا ينتج عن ممارستها أي ضرر شخصي كالرضوض أو الإصابات التي كثيراً ما تحدث مع ضروب الرياضة العنيفة.
ختاماً، فإنّ ما سبق من إشارات نحو ما تقدّمه الصلاة من فوائد في صحّة أجسامنا ما هو إلا غيض من فيض، وما هو إلا جزء يسير من الحقيقة الخالدة التي مفادها أنّ الإسلام هو دين المعجزات التشريعية، التي انتظمتْ معها شؤون العبادات والمعاملات والأخلاق، والتي رسمتْ منهج الحياة السليمة الذي سار عليه السلف حين سادوا العالم قروناً طويلة، وما أحوج أبناء اليوم إلى استشراف ذاك الماضي المشرق، علّه تعود إلينا سابقات الأمجاد.
المصدر جريدة العالم الاسلامي 15/3/2015