تجديد العهد مع الله سبحانه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الهدى، رسول الله، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وسلم إلى يوم الدين.
أيها الإخوة الأحباب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسعدني أن أتوجه إليكم في ظلال الذكرى الخالدة، ذكرى الإسراء والمعراج، بومضات من رحيقها العطر، ونسيمها العابق، ونورها الوضّاء.
بداية أتساءل ويتساءل الجميع هل من سبب رابط بين اختيار المسجد الأقصى، وبين محطة لقاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن ثم
الانتقال بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى السموات العلى وإلى سدرة المنتهى؟!
مما لا ريب فيه إن كانت الغايةُ الأساسية لقاءَ الأنبياء والصلاةَ بهم، فقد كان من الممكن تحقيقها في الحرم المكي، حيث محمد صلى الله عليه وسلم يقيم، أما أن يسري الله به ليلاً، ويجمعه تعالى برسله، مستقبلين له، مرحبين به، فيؤمهم ليصلوا معاً، فإنّ في ذلك إشاراتٍ ورسائلَ تعني أنّ أرض الأقصى المباركة وما حولها، هي مقصودة بذاتها في الإسراء.
ولما كان معظم الأنبياء وأبرزهم عاشوا في الأراضي المباركة حول الأقصى لذا كان اجتماعه صلى الله عليه وسلم مع سائر إخوانه من الأنبياء في الأقصى المبارك لتتأكد لدينا ولدى العالم أجمع أن أمانة الحِفَاظ على الأرض المقدسة أصبحت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم. وأيضاً الإشارة إلى أن إمامته لهم في الصلاة إعلان واضح إلى أتباعهم حتى يوم الدين. إن لواء القيادة بات للشريعة الغراء، فالقرآن تضمن ما قبله من الكتب وزاد عليها فهو آخر الكتب المنزَّلَة.
كما أن لقاء الأقصى المبارك هذا تأكيد على قدسية تلك الأراضي المباركة، شهدت اللقاء التاريخي هذا وتحولت إلى مركز الانطلاق في معراجه، إلى رب السموات والأرض، مما يجعل أمانة هذه المنطقة ثقيلة في أعناق أتباع محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين خاصةً بعد أن ارتبطت تلك الأمانة بمحطةٍ روحية لافتة لنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، وذكرها الله سبحانه وتعالى في سورتي «الإسراء» و«النجم».
وعلى هذا علينا دوماً أن نحرص على الدفاع عن الأقصى الشريف، وأن نبذل الغالي والنفيس في سبيل عودة الأرض المباركة إلى ربوع الإسلام آمنة مطمئنة، وما ذلك على الله بعزيز. فالأقصى بأرضه الطيبة وما حوله أمانة لا يحق لأحد من المسلمين خاصةً أن يفرِّط بها، أو أن يضيّعها أو يتنازل عنها أو يفاوض عليها مهما تكن الظروف أو اختلت موازين القوى.
من جهة أخرى، كانت معجزة الإسراء والمعراج مناسبة طيبة للنبي صلى الله عليه وسلم، في توقيت حكيم، اختاره المولى عز وجل، في فترةٍ حرجةٍ من حياةِ الرسول الأعظم، حيث توالت الشدائد والنكبات عليه، وعلى المؤمنين، استدعت مزيداً من الصبر والمصابرة والمجاهدة فكان الحدث الكبير لفتةً عبقة، واشعاراً له بمكانته السامية، عند ربه الأكرم.
أوذي صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء في الطائف عندما قصدها داعياً ومبلّغاً عن ربه الأعلم، وعاد إلى مكة دون أن يؤمن به أحد. وتلك مرارة صعبة في نفس الداعية، إلا أنه صبر وقال: «إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي».
ثم لما عاد إلى مكة منعه بعضُ أهلها البغاة من دخولها، إلا أن يكون له حماية من أركانهم. فقبل الحماية وهي أمرّ من الأولى، لكنّ الداعية عليه أن يتحمل ويتعامل مع الوقائع بحكمة فكيف إذا كان نبياً؟.
جرى ذلك كله بعد عام الحزن، وبعد حصاره وأصحابه في شعاب مكة، زهاء ثلاث سنوات: غذائياً واقتصادياً واجتماعياً حتى اكلوا حشائش الأرض وديدانها، وأيضاً بعد موت عمه أبي طالب الذي كان له نصيراً ومعيناً، وموت زوجته الصادقة الطاهرة الحنون خديجة الكبرى رضي الله عنها وأرضاها.
تلك الأحداث المتتالية ليست بالهيّنة على رسولٍ حمل الهداية في قلبه ولسانه، متمنياً وحريصاً على أن يهدي الله قومه، أو يُخرج من أصلابهم من يعبده وحده حتى كادت نفسه تذهب عليهم حسرات. فجاءت مكرمة الإسراء والمعراج، بلسمت الأنفس وحصنت الذين اسلموا معه، وتركت قريش في حيرة وإرباك، بينما استمر صلى الله عليه وسلم في دعوته، داعياً إلى الله وسراجاً منيراً.
وثالث العطايا الربانية في هذه الليلة المباركة، انتقاله إلى السموات، وفتح أبواب الغيب أمامه، ليرى نعيم الجنة وعذاب النار، كما اقترابه صلى الله عليه وسلم في معراجه البهي من الله العلي القدير، حين افترض الله سبحانه عليه وعلى أمته (الصلاة) وهي وحدها ما أبلغ به رسوله صلى الله عليه وسلم مباشرة دون جبريل الأمين، وذاك أمرٌ لافت يمنح الصلاة قدسية خاصة، وروحانية ذاتية. فلا غرو، بعد ذلك، أن تكون عماد الدين: من تركها كأنه هدم الدين وغدا بذلك كافراً مرتداً إنْ أنكرها في معتقده وممارسته، وفاسقاً إن آمن بفرضيتها لكنه تكاسل عنها وتركها والعياذ بالله في الحاليْن.
ما تقدم أيها الإخوة شذرات من فيض معاني الإسراء والمعراج، تمنحنا أبعاداً في تأمل بصير، وتذكر عميق لتلك المعاني جميعاً وسواها. ومن أهمها الصدقُ الذي اتبعه نبيُّ الله مع قومه، عندما وصف لهم رحلتَه، فلما سألوه تفاصيل دقيقةً عن بيت المقدس، ولم يكن قد زاره، إلا في تلك الليلة الكريمة الرائعة، أمدّه الله سبحانه برؤيةٍ إضافية تمكَّن منها بوصف كل شيء والإجابة على كل سؤال... مما يحتّمُ على قومه أن يصدقوه، إلا أنهم لجّوا في تكذيبه والهزء به، وكادوا يغالبون أبا بكر الصديق رضي الله عنه على إيمانه، فكان أبو بكر كالطود شامخاً فقال: «إنْ كان قد قال ذلك ــ أي إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قال أنه أسري به إلى القدس ثم عُرِجَ به إلى السموات العلى وعاد بذات الليلة فقد صدق» فأصبح الصديق وهي الكلمة التي وصف الله بها تعالى أبا الأنبياء الكرام إبراهيم (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا)
نجاتنا كأفراد ومجتمعات... في صدقنا، وكم نحتاج إليه في معاملاتنا وفي ممارساتنا، مع ربنا وأنفسنا وأهلنا، ومع إخواننا، ومن جعلنا الله قيمين على مساعداتهم وإرشادهم إلى ربهم وإلى دينهم، وأيضاً الناس جميعاً (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) التوبة (وقولوا للناس حسنا) البقرة: 83.
لتكن مناسبة الإسراء والمعراج المشرقة، تأكيداً لعهودنا مع الله تبارك وتعالى، ولنسأله بقلوب خاشعة:
• أن يجعل تحرير مسرى ومعراج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في زماننا فنفرح يومئذٍ بنصر الله.
• أن يعينَ إخواننا المجاهدين ويفك قيد أسراهم المأسورين.
• أن يعيد العرب والمسلمين والناس جميعاً إلى أصالة الإسلام روحانياته العبقة الرائعة.
• أن يمنحنا الخشوع في صلواتنا ويهبَنا فضلَ معراجها.
• أن يزيّن قلوبنا ونفوسنا بالصبر والصلاة.
• أن يجعل الصدقَ وقولَ الصدق وممارسةَ الصدق في حياتنا تفاعلاً طبيعياً حقيقياً وأن يوفقنا لحسن تطبيق أحكام القرآن العظيم، وسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح.
• أن يلهمنا احسن العمل والإخلاص فيه والنجاح به، خاصة وقد اختارنا للعمل على بثّ فريضة الزكاة وسنة الخيرات ورعاية المحتاجين.
كما ندعوه أخيراً إلى أن يلهم العرب والمسلمين، خاصة في هذه المرحلة الصعبة، حسن العمل لاستنقاذ الأقصى الذي بات أسيراً في قبضة الصهاينة ومن يناصرهم ويؤيدهم ويعمل من أجلهم، وان يعي المسلمون والعالم روائع الإسراء الخالدة.
إن كل مسلم مسؤول عن ذلك، وبإمكاننا نحن هنا في بلدنا وحياتنا أن نخلص في أعمالنا ونتقن مهماتنا فنكون، دون أن ندري أو ندري، دعائم نجاح الأمة في مسيرتها الكبيرة نحــو أهدافهــا الكبرى في العبادة الصادقة الحـرة الكريمة والعطــاء الكريم السـوي، والله سميع عليم.
26رجب الخير1440 / الموافق 2/4/2019